ابن رشد

306

تهافت التهافت

فلنخل عن هذا في هذا الموضع ونرجع إلى النظر فيما يقوله هذا الرجل في معاندة القوم . البرهان الأول قال أبو حامد : قولهم : إن العلوم العقلية تحل النفوس الإنسانية وهي محصورة وفيها آحاد لا تنقسم ، فلا بد وأن يكون محلها أيضا لا ينقسم وكل جسم فمنقسم فدل أن محله شيء لا ينقسم . ويمكن إيراد هذا على شرط المنطق بأشكاله ولكن أقربه أن يقال إن كان محل العلم جسما منقسما فالعلم الحال فيه أيضا منقسم لكن العلم الحال غير منقسم فالمحل ليس جسما ، وهذا هو قياس شرطي استثنى فيه نقيض التالي فينتج نقيض المقدم بالاتفاق فلا نظر في صحة شكل القياس ولا أيضا في المقدمتين فإن الأول قولنا : إن كل حال في منقسم ينقسم لا محالة بفرض القسمة في محله وهو أولى لا يمكن التشكك فيه والثاني قولنا : إن العلم الواحد يحل في الآدمي وهو لا ينقسم لأنه لو انقسم إلى غير نهاية كان محالا وإن كان له نهاية فيشتمل على آحاد لا محالة له تنقسم وعلى الجملة نحن نعلم أشياء ولا نقدر أن نفرض زوال بعضها وبقاء البعض من حيث أنه لا بعض لها . والاعتراض : على مقامين : المقام الأول : أن يقال : بم تنكرون على من يقول محل العلم جوهر فرد متحيز لا ينقسم وقد عرف هذا من مذهب المتكلمين . ولا يبقى بعده إلا استبعاد وهو أنه كيف تحل العلوم كلها في جوهر فرد وتكون جميع الجواهر المطيفة به معطلة مجاورة والاستبعاد لا خير فيه إذ يتوجه على مذهبهم أيضا أنه كيف تكون النفس شيئا واحدا لا يتحيز ولا يشار إليه ولا يكون داخل البدن ولا خارجه ولا متصلا بالجسم ولا منفصلا عنه . إلا أنا لا نؤثر هذا المقام فإن القول في مسألة الجزء الذي لا يتجزى طويل ولهم فيه أدلة هندسية يطول الكلام عليها ومن جملتها قولهم جوهر فرد بين جوهرين هلا يلاقي أحد الطرفين منه عين ما يلاقيه الآخر أو غيره فإن كان عينه فهو محال إذ يلزم منه تلاقي الطرفين فإن ملاقي الملاقي ملاق وإن كان ما يلاقيه غيره ففيه إثبات العدد والانقسام وهذه شبهة يطول حلها وبنا غنية عن الخوض فيها فلنعدل إلى المقام الآخر . المقام الثاني : أن نقول : ما ذكرتموه من أن كل حال في جسم فينبغي أن ينقسم باطل عليكم بما تدركه القوة الوهمية من الشاة من عداوة الذئب فإنها في حكم شيء واحد لا يتصور تقسيمه إذ ليس للعداوة بعض حتى يقدر إدراك بعضه وزوال بعضه وقد حصل إدراكها في قوة جسمانية عندكم فإن أنفس البهائم منطبعة في الأجسام ولا تبقى بعد الموت وقد اتفقوا عليه فإن أمكنهم أن يتكلفوا تقدير الانقسام في المدركات بالحواس الخمسة وبالحس المشترك وبالقوة الحافظة للصور فلا يمكنهم تقدير الانقسام في هذه المعاني التي ليس من شرطها أن تكون في مادة .